الشيخ محمد الخضري بك

118

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

غزوة غطفان « 1 » بلغ رسول اللّه انّ بني ثعلبة ومحارب من غطفان تجمّعوا برياسة رئيس منهم اسمه دعثور « 2 » يريدون الغارة على المدينة ، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يغلّ أيديهم كيلا يتمكّنوا من هذا الاعتداء ، فخرج إليهم من المدينة في أربعمائة وخمسين رجلا لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول ، وخلف على المدينة عثمان بن عفّان . ولمّا سمعوا بسير رسول اللّه هربوا إلى رؤوس الجبال ، ولم يزل المسلمون سائرين حتى وصلوا ماء يسمى ذا أمر ، فعكسروا به ، وحدث أنه عليه الصلاة والسلام نزع ثوبه يجفّفه من مطر بلّله وارتاح تحت شجرة والمسلمون متفرقون ، فأبصره دعثور فأقبل إليه بسيفه حتى وقف على رأسه وقال : من يمنعك مني يا محمّد ؟ فقال : اللّه . فأدركت الرجل هيبة ورعب أسقطا السيف من يده ، فتناوله عليه الصلاة والسلام وقال لدعثور : من يمنعك مني ؟ قال : لا أحد . فعفا عنه « 3 » فأسلم الرجل ودعا قومه للإسلام ، وحول اللّه قلبه من عداوة رسول اللّه وجمع الناس لحربه إلى محبته وجمع الناس له ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ « 4 » وهذا ما ينتجه حسن المعاملة ، والبعد عن الفظاظة وغلظ القلب فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ « 5 » . غزوة بحران « 6 » بلغه عليه الصلاة والسلام أن جمعا من بين سليم يريدون الغارة على المدينة ،

--> ( 1 ) قال ابن إسحاق : فلما رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من غزوة السّويق أقام بالمدينة بقية ذي الحجة أو قريبا منها ، ثم غزا نجدا يريد غطفان وهي ذي أمر ( موضع من ديار غطفان . وقال ابن سعد : بناحية النخيل ) فخرج إليهم من المدينة يوم الخميس . ( 2 ) أو غورث بن الحارث . ( 3 ) رواه الشيخان وقال البيهقي : وسيأتي في غزوة ذات الرقاع قصة تشبه هذه فلعلهما قصتان . قال ابن كثير : إن كانت هذه محفوظة فهي غيرها قطعا ، لأن ذلك الرجل اسمه غورث بن الحارث أيضا لم يسلم بل استمرّ على دينه ، ولم يكن عاهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ألا يقاتله واللّه أعلم . ( 4 ) سورة المائدة اية 54 . ( 5 ) سورة آل عمران اية 159 . ( 6 ) هو مكان بالحجاز من ناحية الفرع ( بضم الفاء والراء وفي المواهب بفتحهما ) .